الجصاص
527
أحكام القرآن
عباس يقول : " أيعجز من رأى هؤلاء أن يقطع كما قطع هذا الأعرابي ؟ - يعني نحوه - فلقد قطع فما أخطأ ، يقطع الرجل ويذر عقبها " . وروي مثله عن عطاء وأبي جعفر من قولهما . وعن عمر رضي الله عنه في آخرين : " يقطع الرجل من المفصل " وهو قول فقهاء الأمصار . والنظر يدل على هذا القول لاتفاقهم على قطع اليد من المفصل الظاهر وهو الذي يلي الزند ، وكذلك الواجب قطع الرجل من المفصل الظاهر الذي يلي الكعب الناتئ . وأيضا لما اتفقوا على أنه لا يترك له من اليد ما ينتفع به للبطش ولم يقطع من أصول الأصابع حتى يبقى له الكف ، كذلك ينبغي أن لا يترك له من الرجل العقب فيمشي عليه ، لأن الله تعالى إنما أوجب قطع اليد ليمنعه الأخذ والبطش بها ، وأمر بقطع الرجل ليمنعه المشي بها ، فغير جائز ترك العقب للمشي عليه . ومن قطع من المفصل الذي هو على ظهر القدم فإنه ذهب في ذلك أن هذا المفصل من الرجل بمنزلة مفصل الزند من اليد ، لأنه ليس بين مفصل ظهر القدم وبين مفصل أصابع الرجل مفصل غيره ، كما أنه ليس بين مفصل الزند ومفصل أصابع اليد مفصل غيره ، فلما وجب في اليد قطع أقرب المفاصل إلى مفصل الأصابع كذلك وجب أن يقطع في الرجل من أقرب المفاصل إلى مفصل الأصابع . والقول الأول أظهر ، لأن مفصل ظهر القدم غير ظاهر كظهور مفصل الكعب من الرجل ومفصل الزند من اليد ، فلما وجب قطع مفصل اليد ظاهر منه كذلك يجب أن يكون في الرجل ، ولما استوعبت اليد بالقطع وجب استيعاب الرجل أيضا ، والرجل كلها إلى مفصل الكعب بمنزلة الكف إلى مفصل الزند . وأما القطع من أصول أصابع الرجل فإنه لم يثبت عن علي من جهة صحيحة ، وهو قول شاذ خارج عن الاتفاق والنظر جميعا . واختلف في قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى ، فقال أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ، حين رجع إلى قول علي لما استشاره ، وابن عباس : " إذا سرق قطعت يده اليمنى ، فإن سرق بعد ذلك قطعت رجله اليسرى ، فإن سرق لم يقطع وحبس " ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد . وروي عن عمر : " أنه تقطع يده اليسرى بعد الرجل اليمنى ، فإن سرق قطعت رجله اليمنى ، فإن سرق حبس حتى يحدث توبة " ، وعن أبي بكر مثل ذلك . إلا أن عمر قد روي عنه الرجوع إلى قول علي كرم الله وجهه . وقال مالك والشافعي : " تقطع اليد اليسرى بعد الرجل اليسرى والرجل اليمنى بعد ذلك ، ولا يقتل إن سرق بعد ذلك " . وروي عن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهم قتلوا سارقا بعد ما قطعت أطرافه . وروى سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر أراد أن يقطع الرجل بعد اليد والرجل ، فقال له